أبي حيان الأندلسي

20

تفسير البحر المحيط

وقال غيره . * وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم : إني أنا الموت * والخطاب في : عليكم ، للمؤمنين مقيداً بالإمكان على تقدير التجوز في حضور الموت ، ولو جرى نظم الكلام على خطاب المؤمنين لكان : إذا حضركم الموت ، لكنه روعيت دلالة العموم في : عليكم ، من حيث المعنى ، إذا لمعنى : كتب على كل واحد منكم ، ثم أظهر ذلك المضمر ، إذ كان يكون إذا حضره الموت ، فقيل : إذا حضر أحدكم ، ونظير مراعاة المعنى في العموم قول الشاعر : * ولست بسائل جارات بيتي * أغياب رجالك أم شهود * فأفرد الضمير في رجالك لأنه راعى معنى العموم ، إذ المعنى ولست بسائل كل جارة من جارات بيتي ، فجاء قوله : أغياب رجالك ، على مراعاة هذا المعنى . وهذا شيء غريب مستطرف من علم العربية . وقيل : المراد بالموت هنا حقيقته لا مقدماته ، فيكون الخطاب متوجهاً إلى الأوصياء والورثة ، ويكون على حذف مضاف ، أي : كتب عليكم ، إذا مات أحدكم ، إنفاذ الوصية والعمل بها ، فلا تكون الآية تدل على وجوب الوصية ، بل يستدل على وجوبها بدليل آخر . * ( إِن تَرَكَ خَيْرًا ) * يعني : مالاً ، في قول الجميع ، وقال مجاهد : الخير في القرآن كله المال * ( وَإِنَّهُ لِحُبّ ) * * ( فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ) * * ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) * * ( إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ) * وظاهر الآية يدل على مطلق الخير ، وبه قال : الزهري ، وأبو مجلز ، وغيرهما ، قالوا : تجب فيما قلّ وفيما كثر . وقال أبان : مائتا درهم فضة . وقال النخعي : من ألف درهم إلى خمسمائة ؛ وقال علي : وقتادة : ألف درهم فصاعداً ، وقال الجصاص : أربعة آلاف درهم . هذا قول من قدّر الخير بالمال . وأما من قدّره بمطلق الكثرة ، فإن ذلك يختلف بحسب اختلاف حال الرجل ، وكثرة عياله ، وقلتهم . وروي عن عائشة أنها قالت : ما أرى فضلاً في مال هو أربعمائة دينار لرجل أراد أن يوصى وله عيال ، وقالت في آخر : له عيال أربعة وله ثلاثة آلاف ، إنما قال الله * ( إِن تَرَكَ خَيْرًا ) * وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك . وعن علي : أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه ، وقال : قال تعالى : * ( إِن تَرَكَ خَيْرًا ) * والخير : هو المال ، وليس لك مال . انتهى . ولا يدل عدم تقدير المال على أن الوصية لم تجب ، إذ الظاهر التعليق بوجود مطلق الخير ، وإن كان المراد غير الظاهر ، فيمكن تعليق الإيجاب بحسب الاجتهاد في الخير ؛ وفي تسميته هنا وجعله خيراً إشارة لطيفة إلى أنه مال طيب لا خبيث ، فإن الخبيث يجب رده إلى أربابه ، ويأثم بالوصية فيه . واختلفوا ، فقال قوم :